جدول امتحانات الشهادة السودانية - مارس 2018م ( امتحانات الشهادة )     ||     جدول امتحانات شهادة الأساس - مارس 2018 م - ولاية الخرطوم ( امتحانات الشهادة )     ||     الخبرات في اللغة العربية - المستوى الثاني ( كتب التعليم قبل المدرسي )     ||     الخبرات في الرياضيات - المستوى الأول ( كتب التعليم قبل المدرسي )     ||     الخبرات في اللغة العربية - المستوى الأول ( كتب التعليم قبل المدرسي )     ||     اللغة العربية ( كتب الصف الأول أساس )     ||     التربية الإسلامية ( كتب الصف الأول أساس )     ||     الرياضيات ( كتب الصف الأول أساس )     ||     الرياضيات ( كتب الصف الثاني أساس )     ||     التربية الإسلامية ( كتب الصف الثاني أساس )     ||     
قريباً .. تطبيق الحقيبة على الموبايل لطلاب الشهادة السودانية ، سجل رقم الواتساب هنا لتصلك رسالة عندما ننتهي من تجهيز التطبيق         عندك أي سؤال في أي مادة؟ تعال أكتب سؤالك هنا         تمت إضافة الطبعات الجديدة من كتب المناهج السودانية : كتب التعليم قبل المدرسي - وكتب الأساس - وكتب الثانوي ، اضغط هنا         مدونة كن جغرافياً - للمهتمين بالجغرافيا         الآن تطبيق امتحانات الشهادة السودانية من عام 2006-2015م مجاناً على موبايلك - اضغط هنا         بشرى لطلاب الصف الثامن أساس || الآن اسطوانة اختبر نفسك || أقوى اسطوانة تفاعلية لطلاب الصف الثامن أساس || اختبر نفسك بتقنية الفلاش التفاعلي المطورة وسيتم تصحيح إجابتك فوراً || لمزيد من التفاصيل اضغط هنا         أهلا وسهلاً بكم .. نتمنى لكم قضاء امتع الأوقات بموقعنا .. وترقبوا جديدنا مع شبكة رواد التميز .. إدارة الموقع        
شبكة رواد التميز - ملتقى شباب السودان على الإنترنت || سورة القمر وما فيها من إعجاز البيان وبديع النظام 1
عرض المقالة :سورة القمر وما فيها من إعجاز البيان وبديع النظام 1

Share |

الصفحة الرئيسية >> ركــن المــقـالات >> العلم الشرعي

اسم المقالة: سورة القمر وما فيها من إعجاز البيان وبديع النظام 1
كاتب المقالة: د. محمد أسد سبحاني
تاريخ الاضافة: 02/03/2008
الزوار: 2156

سورة القمر

وما فيها من إعجاز البيان وبديع النظام

د. محمد أسد سبحاني

(1)

 

هناك حقيقةٌ ظاهرة ثابتة، حقيقةٌ صدع بها الأصدقاء وشهد بها الأعداء، حقيقة يؤمن بها المؤمنون ويعترف بها المعاندون ألا وهي أن هذا القرآن الكريم - كتاب الله الخالد - يحتلّ ذروةً عاليةً وقمةً سامقةً من بلاغة الأسلوب وإعجاز البيان؛ بحيث لا يجارى ولا يبارى ولا يُشقّ له غبار.

فما هي ميزة القرآن التي أعجزت فرسان الكلام وفحول البيان؟

من الواقع المرّ الذي لا بدّ أن نعترف به أن الكتب التي أنشئت لإبراز بلاغة القرآن وإعجاز أسلوبه - مع جلالة قدرها وعلو مكانتها - تعجز عن الإجابة الواضحة القاطعة الحاسمة على هذا السؤال.

ولا نرى لذلك سبباً إلا الغفلة عن نظام الآيات ورباط معانيها؛ فإن من غفل عن نظام الآيات أو تناوله تناولاً قاصراً عابراً لا يمكنه أن يستمتع بجمال القرآن، ولا يمكنه أن يدرك ميزته التي تخصّه من بين سائر أنواع الكلام.

والحق الذي يحق أن يعلن ويقال: إن سرّ إعجاز القرآن هو هذا النظام.

فهذا النظام هو الذي جعل من تلك الآيات التي لا نرى فيها من ضروب البلاغة إلا التجنيس والطباق والحذف والتكرار وما شابه ذلك، جعلنا نرى فيها عالَماً عجيباً من الروعة والجمال، وبحراً زاخراً من المعاني والحكم؛ بحيث تهتز لها النفس اهتزازاً وتمتلئ بها بهجة وسروراً، ولا تدري كيف تعبّر عمّا تجد فيها من لطائف البلاغة وروائع البيان.

وقد أسهبت في بيان نواحي الروعة والجمال والبلاغة وحسن البيان المشتملة عليه خواتيم آل عمران في كتاب بعنوان: (البرهان في نظام القرآن).

وأما هذا المقال فهو مخصص لتسليط الأضواء على سورة القمر وإماطة اللثام عمّا فيها من إعجاز البيان وبديع النظام، فنقول  وبالله التوفيق:

إن هذه السورة الكريمة المباركة تشتمل - كأخواتها - على أبواب كثيرة متنوعة من البلاغة وحسن العبارة، ولكنّها تبدو وكأنها ما زالت رِتاجاً مُرْتَجاً(1) لقلة من عُني بنظامها وقلة من درس رباط معانيها.

ولا نرى من أئمة التفسير وعلماء البيان من تذوّق تلك السورة الكريمة واستمتع بها مثلما تذوقها واستمتع بها المفسِّر والأديب البارع الموهوب الأستاذ سيد قطب - رحمه الله - حيث يقول:

"هذه السورة من مطلعها إلى ختامها حملة رعيبة مفزعة عنيفة على قلوب المكذبين بالنذر، بقدر ما هي طمأنينة عميقة وثيقة للقلوب المؤمنة المصدقة.

وهي مقسمة إلى حلقات متتابعة كل حلقة منها مشهد من مشاهد التعذيب للمكذبين، يأخذ السياق في ختامها بالحس البشري فيضغطه ويهزُّه ويقول له:((فكيف كان عذابي ونذر)) [{القمر: 16]}.

ثم يرسله بعد الضغط والهزِّ ويقول له:((ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر)) [القمر: 17].

ومحتويات السورة الموضوعية واردة في سور مكيّة شتى؛ فهي مشهد من مشاهد القيامة في المطلع، ومشهد من هذه المشاهد في الختام، وبينهما عرض سريع لمصارع قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وفرعون وَمَلَئِه.

وكلها موضوعات تزخر بها السور المكية في صور شتى.

ولكن هذه الموضوعات ذاتها تُعْرَضُ في هذه السورة عرضاً خاصاً يحيلها جديدة كل الجدّة؛ فهي تُعرَض عنيفةً عاصفةً، وحاسمة قاصمة، يفيض منها الهول ويتناثر حولها الرعب، ويظلّلها الدمار والفزع والانبهار!

وأخص ما يميزها في سياق السورة أن كلاً منها يمثّل حلقة عذاب رهيبة سريعة لاهثة مكروبة يشهدها المكذبون، وكأنما يشهدون أنفسهم فيها، ويحسون إيقاعات سياطها؛ فإذا انتهت الحلقة وبدؤوا يستردّون أنفاسهم اللاهثة المكروبة، عاجلتهم حلقة جديدة أشد هولاً ورعباً؛ وهكذا حتى تنتهي الحلقات السبع في هذا الجو المفزع الخانق؛ فيطل المشهد الأخير في السورة وإذا هو جوٌّ آخر ذو ظلال أخرى.

وإذا هو الأمن والطمأنينة والسكينة. إنه مشهد المتقين:((إن المتقين في جنات ونهر . في مقعد صدق عند مليك مقتدر)) [القمر: 54، 55]}، في وسط ذلك الهول الراجف والفزع المزلزل والعذاب المهين للمكذبين ((يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر)) [القمر: 48].

فأين وأين؟ مشهد من مشهد؟ ومقام من مقام؟ وقوم من قوم؟ ومصير من مصير؟"(2).

هذا ما نجده عند المفسر والأديب سيد قطب  رحمه الله  وهو  على روعته وجلالة قدره  لا يزيد على أن يكون لمحة خاطفة إلى محاسن تلك السورة ومميزاتها، وإلا فهي تزخر بمحاسن التعبير ولطائف البلاغة بحيث لا نقضي منها العجب.

والجدير بالذكر أن هذه البلاغة وتلك المزايا يرجع معظمها إلى حسن النظام.

فمن كان يريد أن يدرك هذه المحاسن أو يتذوق تلك البلاغة فلا عليه إلا أن يتدبر السورة متمسكاً بنظام آياتها ورباط معانيها؛ فإن ذلك سيمده بكثير مما لم يخطر بباله ولم يتشمم رائحته عند غيره.

ونذكر هنا بعض ما لمسناه نحن من لطائف البلاغة فيها حتى يكون ذلك حافزاً لمن تطلّع إلى الفحص عن بقيتها.

فكلما تدبرنا السورة وأنعمنا النظر في نظامها رأينا من شأنها عجباً؛ حيث وجدناها مثالاً رائعاً لبراعة الاستهلال، وندرة الاستدلال وروعة الانتقال وسرعة الالتفات، وحسن التلميح وجمال المقطع ودقة التصوير وشدة التأثير وكمال الإبلاغ وعجيب الاستدراج وما إلى ذلك من دلائل الإعجاز .

براعة الاستهلال:

فأما براعة الاستهلال فيها فيكفينا لإدراكها أن نتذكر أواخر سورة النجم؛ حيث قال - تعالى -: ((هذا نذير من النذر الأولى . أزفت الآزفة . ليس لها من دون الله كاشفة . أفمن هذا الحديث تعجبون . وتضحكون ولا تبكون . وأنتم سامدون . فاسجدوا لله واعبدوا)) [النجم: 56 - 62].

فلما كان أعداء الله في غاية السمود(3)؛ حيث كانوا يعجبون إذا قيل لهم: ((أزفت الآزفة . ليس لها من دون الله كاشفة)) [النجم: 57، 58] وكانوا يضحكون ولا يبكون ويستهزئون ولا يخافون قرعتهم سورة القمر وهزّتهم هزّاً عنيفاً حتى ينتبهوا من رقدتهم ويفيقوا من هوسهم: اقتربت الساعة وانشق القمر.

أي: جاءتكم الساعة. الساعة التي كنتم تعجبون منها وتضحكون. جاءتكم بكل ما فيها من ويل وثبور وشرور وأهوال؛ وهذي أشراطها قد ظهرت وتحققت؛ فقد انشق القمر ولم يبق مجال لإنكار من أنكر.

وفضّل هنا هذا الأسلوب  أسلوب المفاجأة والمباغتة، حتى يدركوا أن الساعة ستأتيهم هكذا بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردّها ولا هم ينظرون، وعندئذ يندمون ويصطرخون، كما قال  تعالى :((واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين)) [الأنبياء: 97].

ولكن: ماذا يجديهم الندم، وقد فاتهم الزمن؟!

وكان هذا الأسلوب  ولا شك  بحيث تتخشع له الجبال، وتتصدع له الصخور. ولكنه لم يكن لينجع في قوم أعماهم الجهل والسمود عن النظر في عواقبهم. وكانوا كما قال الله فيهم:((إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا)) [الكهف: 57].

فلم يكونوا ليفيقوا من هوسهم. وإنما الذي كان يخشى منهم أن يزدادوا عتواً إلى عتوهم وعناداً إلى عنادهم، ويقولوا كما قال أشياعهم من قبل:((فأت بآية إن كنت من الصادقين)) [الشعراء: 154].

فجاءت الآية:((وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر)) [القمر: 2].

وهذا من عجيب أسلوب القرآن؛ حيث إنه كثيراً ما يأتي بمعنيين ترى بينهما فجوة، وما هي بفجوة، وإنما هي من لطائف بلاغة القرآن؛ إنه يأتي بمعنيين متنائيين في بادئ النظر ويترك للذهن أن يملأ الفراغ بينهما، وإن شئت فقل: إنه يجعل التفكر جسراً بينهما.

ومثل هذه المواطن تكون مظنة الحيرة، إلا أن رعاية النظام تعالجها بسهولة.

فكأنه قيل: إنهم الآن ينذرون ويلات الساعة، فلا ينتبهون ولا يرتعدون ويدّعون بآية يستدلون بها على صدق هذه النبوءة.

ولو ظهرت لهم الآية تحقيقاً لطلبهم ونظراً إلى رغبتهم لأعرضوا وقالوا: سحر مستمر، كما جاء في موضع آخر:((وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم)) [الأحقاف: 11].

وأيضاً كما ورد في موطن آخر: ((فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون)) [القصص: 48].

ثم قال: على أية حال؛ فإنهم كذبوا بالساعة ولم يعتمدوا في تكذيبهم هذا على دليل رصين أو أساس متين، وإنما اتبعوا أهواءهم. فهل تكذيبهم هذا يغيّر الوضع ويبدّل القول؟ لا؛ فكل أمر له موعد مضروب وأجل محتوم.

فإذا جاء الموعد وحان الأجل وقعت الواقعة واستقر الأمر.

ومما يدعو إلى العجب أنهم يعرضون، مع أنهم جاءهم من الأنباء ما يكفي لردعهم وزجرهم!!

جاءتهم أحاديث كلها حكمة بالغة وموعظة رادعة؛ ولكن هذه النذر كلها ضاعت، كأنها كانت صيحة في وادٍ أو نفخاً في رماد!

روعة الالتفات:

وهنا يلتفت الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم :((فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شيء نكر . خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر . مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر)) [القمر: 6 - 8]}.

ولعمري إنه التفات عجيب ومليح؛ فإن الكلام ما زال متصلاً بالكافرين ومتوجهاً إليهم؛ فكأنه من قبيل (إياكِ أعني واسمعي يا جارة).

ولا يخفى ما لهذا الالتفات من وقع وتأثير في النفوس إن كان قد بقي فيها رمق من حياة!

حسن المقابلة:

ثم نلاحظ في تلك الآيات مقابلة جميلة رائعة لا ينتبه لها إلا من يهتم بنظام الآيات: فاليوم هم ((سامدون)) [النجم: 61]، وغداً تراهم ((خشعا أبصارهم)) [القمر: 7].

واليوم تراهم معرضين عن الداعي:((وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر)) [القمر:2]}.

وغداً تراهم:((مهطعين إلى الداع)) [القمر: 8].

واليوم تراهم يكذبون: ((وكذبوا واتبعوا أهواءهم)) [القمر: 3].

وغداً يصدِّقون، حين لا ينفعهم تصديقهم:((يقول الكافرون هذا يوم عسر)) [القمر: 8].

واليوم تراهم يتبجحون ويقولون:((نحن جميع منتصر)) [القمر: 44].

وغداً يخرجون من الأجداث:((كأنهم جراد منتشر)) [القمر: 7].

وما أروع المقابلة بين ((جميع منتصر)) [القمر: 44]. وبين ((جراد منتشر)) [القمر: 7].

ثم تبلغ هذه المقابلة غايتها من الحسن والروعة والجمال حينما نستمع إلى القرآن مرة أخرى وهو يقول: ((أم يقولون نحن جميع منتصر . سيهزم الجمع ويولون الدبر)) [القمر: 44، 45]}.

وما أشبه الجيش المنهزم بجراد منتشر!!

ثم نجد أنفسنا أمام تلك الآيات: ((كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر . فدعا ربه أني مغلوب فانتصر . ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر . وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر . وحملناه على ذات ألواح ودسر . تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر . ولقد تركناها آية فهل من مدكر . فكيف كان عذابي ونذر)) إلى قوله - تعالى -: ((ولقد جاء آل فرعون النذر . كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر)) [القمر: 9 - 42].

ينظر الناظر إلى تلك الآيات ويمر بها وكأنها ليست إلا عبارات عادية لا يقصد بها إلا توعّد الكافرين بسوء مصيرهم في الدنيا، شأن من خلوا من قبلهم، كما صرّح به القرآن بعدما انتهى من تلك القصص؛ حيث قال:((أكفاركم خير من أولائكم أم لكم براءة في الزبر . أم يقولون نحن جميع منتصر . سيهزم الجمع ويولون الدبر)) [القمر: 43 - 45].

ولكننا حينما نقيم على تلك الآيات ونطيل القيام عليها، ونتملاّها في ضوء نظامها نقضي منها العجب لكثرة ما تشتمل عليه من عجائب البلاغة من ندرة الاستدلال على مجيء الساعة وعجيب الاستدراج إلى أهوالها، ثم من سرعة الالتفات ولطيف الانتقال ودقة التصوير وشدة التأثير وأشياء أخرى قد يدركها المتأمل المتوسم ويعجز عن وصفها.

وهنا نُلمح إلى بعض ما تتضمنه تلك الآيات من روائع البلاغة ومحاسنها.

ندرة الاستدلال:

ننظر أولاً إلى ندرة الاستدلال على مجيء الساعة وهي من ناحيتين:

الأولى: أنهم كانوا يستبعدون الساعة من جهة إمكانيتها.

وكانوا يطلبون آية يستدلون بها على وقوعها.

إنهم كانوا يقيسون القدرة القادرة المطلقة بقدراتهم الضئيلة الهزيلة العاجزة، وكانوا يتعجبون ويتساءلون:

كيف ينشق القمر؟ كيف تنفطر هذه السماء؟ وكيف تسير تلك الجبال؟

وقد أشار القرآن إلى شبهاتهم هذه؛ حيث قال:((لا ترى فيها عوجا ولا أمتا . يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا)) [طه: 107، 108].

فقد جمع القرآن في ثنايا تلك القصص عدداً من الحوادث الكونية الكبرى، التي ستظهر حين قيام الساعة.

فإن كان الله قادراً في فترة قوم نوح على أن يفتح أبواب السماء، وعلى أن يفجّر الأرض عيوناً فما وجه الاستغراب إذن إذا قيل في أشراط الساعة: ((وفتحت السماء فكانت أبوابا)) [النبأ: 19] أو ((وإذا البحار فجرت)) [الانفطار: 3].

ثم إن كان الله قادراً على أن يرسل صيحة واحدة على ثمود فيكونوا كهشيم المحتظر، فما وجه الاستبعاد إذن إذا قيل:((إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون)) [يس: 53] ؟

ثم انفلاق البحر وانشقاقه بضربة بالعصا ليس أقل غرابة من انشقاق القمر في وقت قيام الساعة فما وجه الاستغراب إذن إذا قيل:((اقتربت الساعة وانشق القمر)) [القمر: 1]؟

الناحية الثانية: أن تلك الحلقات المتتابعة المتلاحقة للأحزاب التي حلّ عليها سخط الله بسبب عصيانها وطغيانها تدل دلالة واضحة على أن رب العرش ليس غافلاً عن خلقه، وهو يراقبهم في حركاتهم وسكناتهم ويعاملهم حسب تصرفاتهم؛ فيهلك العصاة الطاغين؛ ويرحم عباده الشاكرين.

فهي  في الواقع  شواهد على الدينونة الإلهية الحاسمة الكبرى التي ستظهر وقت قيام الساعة على وجه أتم وأشمل؛ فإن هذه الدنيا ليست دار الجزاء وإنما هي دار البلاء، وما يظهر فيها من وقائع الجزاء ليس إلا تلميحاً إلى ما يتبعه من الجزاء الأوفى الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.

عجيب الاستدراج:

ومما يزيد في روعة هذه الآيات ويرفع من قيمتها الأدبية البلاغية أنها نموذج رائع لعجيب الاستدراج، كما أنها نموذج رائع لندرة الاستدلال.

فهي لا تصرّح بأدلة وقوع الساعة حتى ينفر منها من لا يؤمن بها، بل تتضمنها في ثناياها وتخفيها في غضونها؛ فهي تمشي في عروقها كما يمشي الماء في عروق الشجرة وأغصانها.

فالسامع يستمع إلى تلك القصص واحدة واحدة؛ وما يكاد ينتهي منها حتى يلين وينكسر من حيث لا يشعر، ويتوجس في نفسه خيفة الحساب وخيفة الجزاء؛ مع أنه كان منكراً للحساب ومنكراً للجزاء.

ثم حينما ينتهي السياق من تلك القصص المخيفة المرجفة لا يباغتهم بوعيد الساعة، بل يراعي ذلك الاستدراج، ويأخذ الجانب الذي كان من الوضوح بحيث لا يحتمل المراء، ويوجه إليهم سؤالين اثنين:((أكفاركم خير من أولائكم أم لكم براءة في الزبر))[القمر: 43].

وكان هذان السؤالان من القوة وإلزام الحجة بحيث لا يسعهم إلا أن يجيبوا عليها ب"لا"..

فأردفهما سؤالاً آخر بدون أن يقف عندهما وينتظر الجواب عليهما: ((أم يقولون نحن جميع منتصر)) [القمر: 44] .

وكان في الموقف احتمال أن تستيقظ فيهم نوازع الأنفة والحمية الجاهلية، وكان من المحتمل أن يسارعوا بالجواب عليهم ب "نعم" فأزاح عنهم حجاب الغرور، وهزهزهم بالواقع المرّ:((سيهزم الجمع ويولون الدبر)) [القمر: 45].

سرعة الالتفات:

ثم الذي يبين شأن هذه الآيات ويُظهر مدى مستواها الأدبي البلاغي هو سرعة الالتفات.. سرعة الالتفات مع عجيب الاستدراج.. سرعة الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، ثم إلى الغيبة؛ حيث قال  تعالى :((ولقد جاء آل فرعون النذر . كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر . أكفاركم خير من أولائكم أم لكم براءة في الزبر . أم يقولون نحن جميع منتصر . سيهزم الجمع ويولون الدبر . بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر)) [القمر: 41 - 46].

علماً بأننا لأول مرة نرى في تلك السورة هذا الخطاب المباشر إلى الكفار.. نراه بعدما قطعنا ثلاثة أرباع السورة ودخلنا في الشوط الأخير منها.

ثم هذا الخطاب يفاجئهم بسرعة مذهلة ويمضي، بحيث يتحرك له الوجدان وتهتز له المشاعر.

فما هو السر في هذه المفاجأة المذهلة أو هذا التحول السريع يا ترى؟

ما نظن هذا السؤال يمكن عليه الإجابة إلا بعد ترداد النظر وإمعانه في نظام تلك الآيات.

لقد أسلفنا أن الله راعى في تلك القصص نوعاً عجيباً من الاستدراج؛ فما يكاد السامع ينتهي من تلك القصص  بشرط أن لا يكون مطموساً  إلا وهو يتوجس الروع ويداخله الفزع من حيث لا يشعر، ويجد نفسه مدفوعاً مضطراً إلى أن يراجع سلوكه ويفكر فيما يؤول إليه أمره.

وهنا ينتهز السياق تلك الفرصة السانحة ويوجَّه إليه هذا السؤال بسرعة كسرعة البرق، حتى يكون ذلك له معواناً على مراجعة نفسه:((أكفاركم خير من أولائكم أم لكم براءة في الزبر)) [القمر: 43].

علماً بأنه لم يكن مهيأً نفسيّاً قبل هذا حتى يوجّه إليه هذا الخطاب المباشر.

هذا، وكان هناك وراء هؤلاء الجماهير فريق من قادة الكفر الذي قد بلغ من السمود غايته، ولم يكن مهيأً بعدُ حتى يوجه إليه الخطاب المباشر؛ فإنه على الرغم من هذا القرع المزلزل العنيف مصرّ على سموده واستكباره، نشوان ثمل من قوته وشدة بطشه، ويتلوى ويتبجح في غروره:

على أية حال؛ فنحن جميع منتصر!

وهنا يبادر النص القرآني بردّ هذا الغرور في وجه أصحابه مع الإعراض عنهم:((سيهزم الجمع ويولون الدبر . بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر)) [القمر: 45، 46].

ولا شك أن هذا الإعراض يزيد أحياناً في شدة الوعيد، ويكون أوقع في النفس وأنجع في التقريع.

ومما يشير إلى هذا الفرق أن السياق لا يقول في آية الخطاب:

أيها الكفار أأنتم خير أم أولئكم؟

بل يعدل عنه إلى قوله:((أكفاركم خير من أولائكم)) [القمر: 43].

وعلى هذا فيكون تأويل الآية هكذا: أيها الناس، هل ترمقون قادتكم وطواغيتكم هؤلاء: أهم خير وأقوى من أولئك الذين سحقوا قبلهم ودمّروا؟

وهل ترون هؤلاء يفلتون من عذابنا، إذا أُخِذوا وحوسبوا؟

وإلا فكيف أخذتم طريقهم وربطتم مصيركم بمصيرهم؟

أم هل تحسبون أن ربكم كتب لكم صك العفو والغفران وصك البراءة من النيران وأعطاكم الرخصة للفجور والعصيان؟

 

تابع بقية المقال والهوامش في الجزء الثاني

طباعة


روابط ذات صلة

  الولاء والبراء  
  الآثار السلوكية لتوحيد العبادة  
  الخلاف بين العلماء .. أسبابه وموقفنا منه  
  ضوابط الضرورة في الشريعة الإسلامية  
  وقفات مع قوله تعالى : (ألهاكم التكاثر)  
  القواعد الفقهية 1  
  القواعد الفقهية 2  
  القواعد الفقهية 3  
  الخصائص المميزة لعقيدة أهل السنة والجماعة  
  أثر التفسير في بناء الشخصية واتزانها  
  السبيل إلى انحسار البدع  
  ضوابط في تلقي النصوص الشرعية وفهمها  
  مسائل في التكفير  
  لماذا الشناقطة يحفظون؟  
  منهج ابن تيمية في الرد على المتكلمين  
  سورة القمر وما فيها من إعجاز البيان وبديع النظام 2  


التعليقات : 0 تعليق
« إضافة تعليق المقالة »

الموسوعة الماسية لأناشيد أبي عبد الملك
قسم الـطـلاب
عدد الزوار
انت الزائر : 1037592

تفاصيل المتواجدين
طلاب متميزون














التصويت
هل تؤيد تغيير الزي المدرسي لطلاب المدارس؟
نعم
لا
إلى حد ما

القائمة البريدية

اشتراك

الغاء الإشتراك

منتديات رواد التميز

الموقع الرئيسي لرواد التميزمنتديات رواد التميزمركز رواد التميز للتلاوات القرآنيةمعرض رواد التميز للصور

موقع شهد السودان - خاص بالفتيات فقطمنتديات شهد السودان - خاصة بالفتيات فقطموقع شهد السودان - خاص بالفتيات فقطاطرح سؤالك هنا وسوف يتشارك الجميع في حله

موقع شهد السودان - خاص بالفتيات فقطمركز رفع الملفات والصورمجموعة رواد التميز البريديةمركز بنك الدم السوداني الالكتروني Flag Counter

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½شبكة رواد التميز - ملتقى شباب السودان على الإنترنت ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½