الكيمياء ( عام 2019م )     ||     اللغة الإنجليزية ( عام 2019م )     ||     الرياضيات المتخصصة ( عام 2019م )     ||     الأحياء ( عام 2019م )     ||     الفيزياء ( عام 2019م )     ||     الجغرافيا ( عام 2019م )     ||     التاريخ ( عام 2019م )     ||     العلوم العسكرية ( عام 2019م )     ||     علوم الحاسوب ( عام 2019م )     ||     اللغة العربية ( عام 2019م )     ||     
قريباً .. تطبيق الحقيبة على الموبايل لطلاب الشهادة السودانية ، سجل رقم الواتساب هنا لتصلك رسالة عندما ننتهي من تجهيز التطبيق         عندك أي سؤال في أي مادة؟ تعال أكتب سؤالك هنا         تمت إضافة الطبعات الجديدة من كتب المناهج السودانية : كتب التعليم قبل المدرسي - وكتب الأساس - وكتب الثانوي ، اضغط هنا         مدونة كن جغرافياً - للمهتمين بالجغرافيا         بشرى لطلاب الصف الثامن أساس || الآن اسطوانة اختبر نفسك || أقوى اسطوانة تفاعلية لطلاب الصف الثامن أساس || اختبر نفسك بتقنية الفلاش التفاعلي المطورة وسيتم تصحيح إجابتك فوراً || لمزيد من التفاصيل اضغط هنا         أهلا وسهلاً بكم .. نتمنى لكم قضاء امتع الأوقات بموقعنا .. وترقبوا جديدنا مع شبكة رواد التميز .. إدارة الموقع        
شبكة رواد التميز - ملتقى شباب السودان على الإنترنت || منهج أهل السنة في النقد والحكم على الآخرين
عرض المقالة :منهج أهل السنة في النقد والحكم على الآخرين

Share |

الصفحة الرئيسية >> للـــدعـــــــــــــاة >> مقالات في الدعوة

اسم المقالة: منهج أهل السنة في النقد والحكم على الآخرين
كاتب المقالة: هشام بن إسماعيل
تاريخ الاضافة: 01/03/2008
الزوار: 2091

منهج أهل السنة

في النقد والحكم على الآخرين

هشام بن إسماعيل

 

إن الذي دفعني للكتابة في هذا الموضوع هو عدة أمور :

أولاً: أهمية بيان منهج أهل السنة في النقد والحكم على الآخرين ، لكثرة صدور الأحكام من جهات إلى أخرى دون تحري المنهج السليم في إصدار الأحكام ، مما أدى إلى الوقوع في أخطاء جسيمة في حق الآخرين.

ثانياً: حاجة المجتمع إلى أن تكون عنده قواعد عامة في الحكم على الآخرين ، ليكون الحكم بعلم وعدل وإنصاف ، يقول ابن تيمية رحمه الله: "لابد أن يكون مع الإنسان أصول كلية يرد إليها الجزئيات ليتكلم بعلم وعدل ، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت،وإلا يبقى في كذب وجهل في الجزئيات، وجهل وظلم في الكليات، فيتولد فساد عظيم).(1)

ثالثاً: عظم حرمة المؤمن عند الله تعالى.

رابعاً: الآثار السيئة المترتبة بسبب الانحراف عن هذا المنهج، من بخس للناس، وتقطيع الأواصر، وحدوث الفرقة، ووقوع الغيبة والحسد والبغضاء، وغير ذلك من الأدواء الكثيرة، والتي لا تخفى على القارئ لكثرة وقوع هذا الأمر.

القاعدة الأولى:

الخوف من الله عز وجل عند الكلام في الآخرين :

حرم الله عز وجل الغيبة في كتابه وعلى لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم- ، فقال الله عز وجل: ((وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ)) [الحجرات /12].

وتفسير الغيبة جاء في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ذكرك أخاك بما يكره. قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته)(2).

ومعلوم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قرن حرمة الأعراض بحرمة يوم عرفة من الشهر الحرام في البيت الحرام ، فقال: (إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت)(3).

وعن عبد الرحمن بن غنم يبلغ به النبي -صلى الله عليه وسلم-: (خيار عباد الله الذين إذا رؤوا ذكر الله ، وشرار عباد الله: المشاءون بالنميمة ، المفرقون للأحبة ، الباغون للبرآء العنت)(4).

ومعنى الباغون للبرآء العنت: أي الذين يحبون أن تقع المشقة للأبرياء ، وغالباً لا يكون هذا إلا عن حسد وحقد.

وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (يا معشر من أسلم بلسانه ولم يدخل الإيمان في قلبه لا تؤذوا المسلمين ، ولا تعيروهم ، ولا تتبعوا عوراتهم ، فإن من اتبع عورة أخيه المسلم ، تتبع الله عورته ، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله)(5).

وقد كان السلف -عليهم رحمة الله - من أشد الناس بعداً عن الغيبة والخوف منها.

ومن ذلك ما قاله البخاري - رحمه الله -: سمعت أبا عاصم يقول: منذ أن عقلت أن الغيبة حرام ما اغتبت أحدا قط(6).

وقال البخاري - رحمه الله -: أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحداً قال (الذهبي): صدق رحمه الله ، ومن ينظر في كلامه في الجرح والتعديل ، علم ورعه في الكلام في الناس، وإنصافه فيمن يضعفه... حتى إنه قال: إذا قلت: فلان في حديثه نظر، فهو متهم واه، وهذا معنى قوله: لا يحاسبني الله أني اغتبت أحداً، وهذا والله غاية الورع(7).

وقال رحمه الله: "ما اغتبت أحداً قط منذ أن علمت أن الغيبة تضر أهلها"(8).

بل إن المغتاب في الحقيقة يقدم حسناته إلى من يغتابه ، حتى إن عبد الرحمن ابن مهدي - رحمه الله - قال: "لولا أني أكره أن يعصى الله ، لتمنيت أن لا يبقى أحد في المصر إلا اغتابني ، أي شيء أهنأ من حسنة يجدها الرجل في صحيفته لم يعمل بها"(9).

وأما ما يفعله بعض من ينتسب إلى الدعوة في هذا الوقت من غيبة الآخرين بحجة التقويم والإصلاح ، فإنه ينبغي لهم قبل أن يتكلموا في غيرهم أن يتدبروا عدة أمور:

أولاً: يسأل نفسه ، ما هو الدافع الحقيقي لكلامه في غيره؟ هل هو الإخلاص والنصح لله ورسوله وللمسلمين؟ أم هو هوى خفي ، أو جلي؟ أم هو حسد وكراهية له؟!

فإنه كثيراً ما يقع الأشخاص في غيبة غيرهم بسبب أحد الأمور المذمومة السابقة ، ويظن أن دافعه هو النصح وإرادة الخير ، وهذا مزلق نفسي دقيق قد لا ينتبه له كثير من الناس إلا بعد تفكر عميق وبإخلاص وتجرد لله تعالى(10)

 ثانياً: ينظر في هذا الدافع الذي دفعه للكلام في أخيه المسلم ، هل هو من الحالات التي تجوز فيها الغيبة أم لا؟(11).

ثالثاً: أن يتأمل كثيراً قبل أن يقدم على الكلام في الآخرين: ما هو جوابي عند الله تعالى يوم القيامة إذا سألني: يا عبدي فلان لم قلت في فلان كذا وكذا؟

وليتذكر أن الله تعالى يقول: ((وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ)) [البقرة 235].

القاعدة الثانية

تقديم حسن الظن بالمسلم :

والأصل في هذه القاعدة هو قول الله عز وجل: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا)) [الحجرات 12].

 فأمر الله عز وجل باجتناب كثير من الظن لأن بعض هذا الكثير إثم ، وأتبع ذلك بالنهي عن التجسس ، إشارة إلى أن التجسس لا يقع في الغالب إلا بسبب سوء الظن.

وأمر المسلم - في الأصل - قائم على الستر وحسن الظن به ، ولذلك أمر الله عز وجل المؤمنين بحسن الظن عند سماعهم لقدح في إخوانهم المسلمين ، بل وشدد النكير على من تكلم بما سمع من قدح في إخوانه.

ففي حادثة الإفك ، عندما قيل ما قيل ، بيّن الله عز وجل الموقف الصحيح الذي ينبغي لكل مسلم أن يقفه ، فقال سبحانه وتعالى: ((لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ)) ثم بيّن سبحانه وتعالى أن التلفظ بهذا الكلام ونقله أمر عظيم ، فقال سبحانه وتعالى: ((إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ (*) وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ)) ثم وعظنا الله عز وجل أن نعود إلى الوقوع في مثل هذا الذنب العظيم فقال: ((يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)).

وقد بيّن سبحانه وتعالى أن مجرد نقل الجرح في الآخرين بلا ضرورة شرعية ، وبلا تثبت وروية ، أنه إثم ، فقال سبحانه وتعالى: ((لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ)).

وقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-(كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع)(12).

وبوب الإمام مسلم في مقدمة الصحيح: باب النهي عن الحديث بكل ما سمع ، وأورد تحته الحديث السابق ، كما أورد قول الإمام مالك لابن وهب: اعلم أنه ليس يسلم رجل حدث بكل ما سمع ، ولا يكون إماماً أبداً ، وهو يحدث بكل ما سمع.

وقال عبد الرحمن بن مهدي: لا يكون الرجل إماماً يقتدى به حتى يمسك عن بعض ما سمع(13).

وقد أمر الله عز وجل بالتثبت من الأخبار فقال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)) [الحجرات 6].

القاعدة الثالثة

الكلام في الناس يجب أن يكون بعلم وعدل إنصاف :

والأصل في هذه القاعدة هو قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)) [المائدة 8]،وقوله عز وجل: ((وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ)) [ هود85] ونحو ذلك من الآيات.

يقول ابن جرير في آية المائدة: "يعني بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله محمد ، ليكن من أخلاقكم وصفاتكم القيام لله شهداء بالعدل في أوليائكم وأعدائكم ، ولا تجورا في أحكامكم وأفعالكم فتجاوزوا ما حددت لكم في أعدائكم لعداوتهم لكم ، ولا تقصّروا فيما حددت لكم من أحكامي وحدودي في أوليائكم لولايتهم لكم ، ولكن انتهوا في جميعهم إلى حدي ، واعملوا فيه بأمري.

وأما قوله: ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ، فإنه يقول:ولا يحملنكم عداوة قوم أن لا تعدلوا في حكمكم فيهم وسيرتكم بينهم، فتجوروا عليهم من أجل ما بينكم من العداوة"(14).

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (والكلام في الناس يجب أن يكون بعلم وعدل ، لا بجهل وظلم ، كحال أهل البدع)(15).

وقال الذهبي في ترجمة الفضيل: (قلت: إذا كان مثل كبراء السابقين قد تكلم فيهم الروافض والخوارج ، ومثل الفضيل يتكلم فيه ، فمن الذي يسلم من ألسنة الناس ، لكن إذا ثبتت إمامة الرجل وفضله، لم يضره ما قيل فيه ، وإنما الكلام في العلماء مفتقر إلى وزن بالعدل والورع)(16).

ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلام نفيس جداً ، يتضح فيه المنهج الصحيح في الحكم على الآخرين - وخاصة العلماء - إذا أخطأوا حتى في مسائل الاعتقاد ، يقول: (قلت: أبو ذر (يعني الهروي) فيه من العلم والدين والمعرفة بالحديث والسنة ، وانتصابه لرواية البخاري عن شيوخه الثلاثة ، وغير ذلك من المحاسن والفضائل ما هو معروف به ، وقد كان قدم إلى بغداد من هراة ، فأخذ طريقة ابن الباقلاني وحملها إلى الحرم ، فتكلم فيه وفي طريقته من تكلم ، كأبي نصر السجزي ، وأبي القاسم سعد بن علي الزنجاني، وأمثالهما من أكابر أهل العلم والدين بما ليس هذا موضعه، وهو ممن يرجح طريقة الصبغي والثقفي، على طريقة ابن خزيمة وأمثاله من أهل الحديث، وأهل المغرب كانوا يحجون، فيجتمعون به،ويأخذون عنه الحديث وهذه الطريقة ويدلهم على أصلها ، فيرحل منهم من يرحل إلى المشرق، كما رحل أبو الوليد الباجي ، فأخذ طريق أبي جعفر السمناني الحنفي صاحب القاضي أبي بكر ورحل بعده القاضي أبو بكر بن العربي، فاخذ طريقة أبي المعالي في الإرشاد.

ثم إنه ما من هؤلاء إلا له في الإسلام مساع مشكورة ، وحسنات مبرورة ، وله في الرد على كثير من الإلحاد والبدع،والانتصار لكثير من أهل السنة والدين،ما لا يخفى على من عرف أحوالهم، وتكلم فيهم بعلم وعدل وإنصاف، لكن لما التبس عليهم هذا الأصل المأخوذ ابتداءً عن المعتزلة ، وهم فضلاء وعقلاء ، احتاجوا إلى طرده والتزام لوازمه ، فلزمهم بسبب ذلك من الأقوال ما أنكره المسلمون من أهل العلم والدين ، وصار الناس بسبب ذلك:

ا- منهم من يعظمهم ، لما لهم من المحاسن والفضائل.

2- ومنهم من يذمهم ، لما وقع في كلامهم من البدع والباطل.

وخيار الأمور أوساطها.

وهذا ليس مخصوصاً بهؤلاء ، بل مثل هذا وقع لطوائف من أهل العلم والدين ، والله تعالى يتقبل من جميع عباده المؤمنين الحسنات ويتجاوز لهم عن السيئات ((رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ)) [الحشر 10].

ولا ريب أن من اجتهد في طلب الحق والدين من جهة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، وأخطأ في بعض ذلك ، فالله يغفر له خطأه ، تحقيقاً للدعاء الذي استجابه الله لنبيه وللمؤمنين حيث قالوا: ((رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا)) [البقرة 286].

 ومن خلال النصوص السابقة؛ نعلم أنه لا يجوز للإنسان أن يتكلم في غيره – إن احتاج إلى ذلك شرعاً - إلا:

1- بعلم.

2- وعدل وإنصاف.

فمن تكلم في غيره بغير علم ، فهو مخالف للكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح ، مخالف لقوله تعالى: ((وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً)) [الإسراء 36].

ومن تكلم في غيره بظلم وجور فقد خالف قوله تعالى: ((وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)) والكلام في الآخرين بدون علم، أو بظلم وهوى سبب لكثير من التفرق بالقلوب ، وحدوث الشحناء والحسد والتباغض، بل سبب الفشل وذهاب وحدة الصف وقوته ، والله المستعان.

الهوامش:

1- انظر منهاج السنة النبوية (5/83).

2- رواه مسلم 4/2001

3- المصدر السابق 2/886-892

4- أخرجه أحمد 4/227 ، وعزاه صاحب حصائد الألسن ص 68 إلى صحيح الترغيب والترهيب، باب الترهيب من النميمة، وهذا الجزء لم يطبع.

5- صحيح سنن الترمذي (2/200)

6- التاريخ الكبير 4/336.

7- سير أعلام النبلاء 12/439.

8- المرجع السابق 12/441.

9- سير أعلام النبلاء 9/195.

10- وللمعلمي في التنكيل 2/180 كلام نفيس جداً عن اتباع الهوى ، ذكر فيه بعض مزالق الهوى الخفية.

11- وانظر ما ذكره الشوكاني في كتابه: رفع الريبة عما لا يجوز من الغيبة.

12- أخرجه مسلم في المقدمة برقم 5.

13- المرجع السابق 1/10-11.

14- انظر تفسير ابن جرير 10/95 تحقيق: أحمد محمود شاكر.

15- منهاج السنة النبوية 4/337.

16- انظر سير أعلام النبلاء 8/448.

17- انظر تعارض العقل والنقل 2/101-103.

 

 

العدل في وصف الآخرين :

وهي جزء من القاعدة السابقة ، ولكن لأهميتها أفردت لوحدها. والأصل في هذه القاعدة قوله تعالى:((وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ)) [ هود:85] .

 والمقصود بالعدل في وصف الآخرين هو: العدل في ذكر المساوئ والمحاسن ، والموازنة بينهما.

وثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال :(كل ابن آدم خطَّاءٌ ، وخير الخطاءين التوابون)(1).

فلا أحد يسلم من الخطأ ، فلا ينبغي أن تدفن محاسن المرء لخطأ ، كما أن الماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث. (2)

ولذلك ينبغي للمسلم إذا وصف غيره ألا يغفل المحاسن لوجود بعض المساوئ ، كما لا ينبغي أن يدفن المحاسن ويذكر المساوئ لوجود عداوة أو بغضاء بينه وبين من يصفه، فالله عز وجل قد أدبنا بأحسن أدب وأكمله، فقال سبحانه:((وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ)) [ هود:85 ]. وإنك لتجد كثيراً ممن يذم غيره بذكر مساوئه، ويغض الطرف عن محاسنه، بسبب الحسد والبغضاء، أو لتنافس مذموم بينهما.

ولكن المنصفون هم الذين يذكرون المرء بما فيه من خير أو شر ولا يبخسونه حقه ، ولو كان الموصوف مخالفاً لهم في الدين والاعتقاد ، أو في المذهب والانتماء.

ومن العلماء الذين برز إنصافهم لغيرهم : الحافظ الذهبي -رحمه الله- فمن خلال كتابه القيم:"سير أعلام النبلاء" ، والذي ترجم فيه لعدد من العلماء الأجلاء ، وكذلك لعدد ممن اشتهر بين الناس وكان من أهل البدع أو الفسق أو الإلحاد ، تجده لم يبخسهم ما لهم من صفات جيدة ، بل أنصفهم بذكر ما لهم وما عليهم.

وهناك أمثلة كثيرة على ذلك ، منها:

1- قال عن عبد الوارث بن سعيد: (وكان عالماً مجوداً ، ومن أهل الدين والورع ، إلا أنه قدري مبتدع) السير (8/301)

2- وقال عن الحكم بن هشام: (وكان من جبابرة الملوك وفساقهم، ومتمرديهم، وكان فارساً، شجاعاً، وكان ذا دهاء وعتوٍّ وظلم ، تملك سبعاً وعشرين سنة) السير (8/254).

3- وقال عن الواقدي: (والواقدي وإن كان لا نزاع في ضعفه فهو صادق اللسان، كبير القدر) ، السير (7/142).

4- وقال عن المأمون الذي تبنى فتنة القول بخلق القرآن وامتحن علماء أهل السنة بذلك: (وكان من رجال بني العباس حزماً، وعزماً، ورأياً، وعقلاً، وهيبة، وحلماً، ومحاسنه كثيرة في الجملة)السير (10/273).

5- وقال في ترجمة الجاحظ الأديب المعتزلي : (العلامة ، المتبحر ، ذو الفنون..وكان أحد الأذكياء.. وكان  ماجناً ، قليل الدين ، له نوادر) السير (11/256).

6- وقال عن قرة بن ثابت :(الصابئ ، الشقي ، الحراني ، فيلسوف عصره..وكان يتوقد ذكاء) السير (13/ 285).

7- وقال في ترجمة الخياط المعتزلي: (شيخ المعتزلة البغداديين ، له ذكاء مفرط،والتصانيف المهذبة..وكان من بحور العلم، له جلالة عجيبة عند المعتزلة) [السير 14/220].

وهناك أمثلة كثيرة غير هذه ، ومن أراد الاستزادة فعليه بمراجعة سير أعلام النبلاء، يجد بغيته -إن شاء الله-.

ومنهج الذهبي في العدل في وصف الآخرين ، منهج علمي دقيق ، وهو منهج أهل السنة والجماعة في أحكامهم على غيرهم، وهو نابع من قوله تعالى: ((وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ)) [ هود:85 ] والآيات المشابهة لها.

ولذلك ينبغي لكل من رام الإنصاف أن لا يحيد عن هذا المنهج السوي ، وأن يتقي الله-عز وجل-  في وصف غيره ، ويتكلم بعدل وإنصاف.

العبرة بكثرة الفضائل :

فإن الماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث ، فمن غلبت فضائله هفواته ، اغتفر له ذلك.

يقول ابن رجب الحنبلي : (والمنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه)

وكلمة ابن رجب بمثابة منهج صحيح في الحكم على الشخص الواحد ، لأن كل إنسان لا يسلم من الخطأ ، ومن قل خطأه وكثر صوابه ، فهو على خير كثير.

ومنهج السلف هو: اعتبار الغالب على المرء من الصواب أو الخطأ ، والنظر إليه بعين الإنصاف.

يقول الحافظ الذهبي: (ونحب السنة وأهلها، ونحب العالم على ما فيه من الاتباع والصفات الحميدة،ولا نحب ما ابتدع فيه بتأويل سائغ، وإنما العبرة بكثرة المحاسن)(3).

وقال الذهبي في ترجمة ابن حزم : (وصنف في ذلك - نفْي القياس -كتباً كثيرة ، وناظر عليه ، وبسط لسانه وقلمه ، ولم يتأدب مع الأئمة في الخطاب ، بل فجج العبارة ، وسب وجدع ، فكان جزاؤه من جنس فعله ، بحيث إنه أعرض عن تصانيفه جماعة من الأئمة ، وهجروها ونفروا منها ، وأحرقت في وقت ، واعتنى بها آخرون من العلماء ، وفتشوها انتقاداً واستفادة ، وأخذاً ومؤاخذة ، ورأوا فيها الدر الثمين ممزوجاً في الرصف بالخرز المهين ، فتارة يطربون ، ومرة يعجبون ، ومن تفرده يهزؤون ، وفي الجملة فالكمال عزيز ، وكل يؤخذ من قوله ويترك ، إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، وكان ينهض بعلوم جمة ، ويجيد النقل ، ويحسن النظم والنثر ، وفيه دين وخير ، ومقاصد جميلة ، ومصنفاته مفيدة ، وقد زهد في الرئاسة ، ولزم منزله مكباً على العلم ، فلا نغلو فيه ، ولا نجفو عنه ، وقد أثنى عليه قبلنا الكبار)(4).

ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلمة لطيفة: ولكن كثير من الناس من يرى المثالب ، ويعمى عن المناقب ، وفي ذلك يقول الشعبي -رحمه الله- : (والله لو أصبت تسعاً وتسعين مرة ، وأخطأت مرة ، لأعدوا على تلك الواحدة(5).

وقد قيل: كفى بالمرء نبلاً أن تعد معايبه.

يمكن أن تعتبر قاعدة مهمة في هذا الباب ، يقول فيها: (العبرة بكمال النهاية لا بنقص البداية)(6).

ومن نفيس كلامه في هذا الباب قوله : (وإنه كثيراً ما يجتمع في الفعل الواحد ، أو في الشخص الواحد الأمران : فالذم والنهي والعقاب قد يتوجه إلى ما تضمنه أحدهما ، فلا يغفل عما فيه من النوع الآخر، كما يتوجه المدح والأمر والثواب إلى ما تضمنه أحدهما،فلا يغفل عما فيه من النوع الآخر، وقد يمدح الرجل بترك بعض السيئات البدعية الفجورية، لكن قد يسلب مع ذلك ما حمد به غيره على فعل بعض الحسنات السنية البرية ، فهذه طريق الموازنة والمعادلة، ومن سلكه كان قائماً بالقسط الذي أنزل الله له الكتاب والميزان" (7).

(ولا منافاة بين أن يكون الشخص الواحد يرحم من وجه ، ويعذب ويبغض من وجه آخر)(8).

(ومن سلك طريق الاعتدال، عظم من يستحق التعظيم، وأحبه وولاه ، وأعطى الحق حقه، فيعظم الحق، ويرحم الخلق، ويعلم أن الرجل الواحد تكون له حسنات وسيئات ، فيحمد ويذم، ويثاب ويعاقب، ويحب من وجه ويبغض من وجه، هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، خلافاً للخوارج ، والمعتزلة ، ومن وافقهم)(9).

الهوامش:

1-أخرجه أحمد (3/198) ، والترمذي (4/659) ، وابن ماجه (2/1420) ، وانظر "صحيح الجامع" برقم(4515).

2- هو لفظ حديث أخرجه الدارمي (737-738) ، والدارقطني (1/21-22) وغيرهما ، وقد أفاض ابن القيم في دراسته في تعليقه على "سنن أبي داود" ، انظر عون المعبود (1/106-125) ، وانظر :إرواء الغليل (1/60).

3- انظر سير أعلام النبلاء (20/46).

4-نفس المرجع (18/186-187).

طباعة


روابط ذات صلة

  الاهتمام بدعوة المرأة وتربيتها  
  العمل المؤسسي معناه ومقومات نجاحه  
  الأطروحات الدعوية الموجهة للمرأة المسلمة  
  أهمية مبادئ الإدارة في الدعوة  
  الوسطية من أبرز خصائص هذه الأمة  
  المؤسسات الدعوية النسائية الواقع والتطلعات  
  فقه مراتب الأعمال  
  هل يمكن التعاون بين المسلمين مع وجود الاختلاف؟  
  وقفات حول الخطاب الدعوي في قضية المرأة  
  ولا تلبسوا الحق بالباطل  
  مناقشة ابن عباس للخوارج دروس وعبر  
  تطبيق السنة بين الغلوّ والجفاء  
  فتنة مسايرة الواقع  
  هل تبحث عن وظيفة؟  
  ما واجبنا لو أغلقت المساجد؟ هل تموت الدعوة؟  
  كيف يتعاهد الداعية نفسه ؟  
  ثمرة عاجلة فهل من مشمر؟  
  الشباب .. استكشاف وتطوير وتفجير  
  مشروع العمر  
  لماذا الدعوة إلى الله عزَّ وجل؟  
  كيف أخدم الإسلام؟  
  أين موقعك من الإعراب؟  
  الدعوة  
  يا شباب الإسلام هل من مشمر ؟!  
  واجعلنا للمتقين إماماً  
  ماذا قدمت لدين الله؟  
  لا بد للحق من رجال  
  حكم التمثيل والمسرحيات لأجل الدعوة  
  النقل الدعوي  
  أخي الداعية .. قبل أن تترجل .. (وقفة)  


التعليقات : 0 تعليق
« إضافة تعليق المقالة »

الموسوعة الماسية لأناشيد أبي عبد الملك
قسم الـطـلاب
عدد الزوار
انت الزائر : 1140961

تفاصيل المتواجدين
طلاب متميزون














التصويت
هل تؤيد تغيير الزي المدرسي لطلاب المدارس؟
نعم
لا
إلى حد ما

القائمة البريدية

اشتراك

الغاء الإشتراك

منتديات رواد التميز

الموقع الرئيسي لرواد التميزمنتديات رواد التميزمركز رواد التميز للتلاوات القرآنيةمعرض رواد التميز للصور

موقع شهد السودان - خاص بالفتيات فقطمنتديات شهد السودان - خاصة بالفتيات فقطموقع شهد السودان - خاص بالفتيات فقطاطرح سؤالك هنا وسوف يتشارك الجميع في حله

موقع شهد السودان - خاص بالفتيات فقطمركز رفع الملفات والصورمجموعة رواد التميز البريديةمركز بنك الدم السوداني الالكتروني Flag Counter

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½شبكة رواد التميز - ملتقى شباب السودان على الإنترنت ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½